ابن حجة الحموي

186

خزانة الأدب وغاية الأرب

فأنكر عليه أمير المؤمنين لأنه تكلم من غير أن يسأل فلما رجع الخليفة نظر في القصيدة إلى آخرها ليعلم ما أراد الهذلي بإنشاد ذلك البيت من غير استدعاء فإذا فيها وأراك تفعل ما تقول وبعضهم * مذق اللسان يقول ما لا يفعل فعلم أنه أشار إلى هذا البيت بتلميحه الغريب فتذكر ما وعده به وأنجزه له واعتذر إليه من النسيان ومثله ما حكي أن أبا العلاء المعري كان يتعصب للمتنبي فحضر يوما مجلس الشريف المرتضى فجرى ذكر أبي الطيب فهضم المرتضى من جانبه فقال أبو العلاء لو لم يكن له من الشعر إلا قوله لك يا منازل في القلوب منازل لكفاه فغضب المرتضى وأمر به فسحب وأخرج وبعد إخراجه قال المرتضى هل تدرون ما عنى بذكر البيت فقالوا لا والله فقال عنى به قول أبي الطيب في القصيدة وإذا أتتك مذمتي من ناقص * فهي الشهادة لي بأني كامل ومن هذا القبيل قصة السري الرفاء مع سيف الدولة بسبب المتنبي أيضا فإن السري الرفاء كان من مداح سيف الدولة وجرى يوما في مجلسه ذكر أبي الطيب فبالغ سيف الدولة في الثناء عليه فقال له السري أشتهي أن الأمير ينتخب لي قصيدة من غرر قصائده لأعارضها له ويتحقق بذلك أنه أركب المتنبي في غير سرجه فقال له سيف الدولة على الفور عارض لنا قصيدته القافية التي مطلعها لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقى * وللحب ما لم يبق منه وما بقي قال السري فكتبت القصيدة واعتبرتها في تلك الليلة فلم أجدها من مختارات أبي الطيب لكن رأيته يقول في آخرها عن ممدوحه إذا شاء أن يلهو بلحية أحمق * أراه غباري ثم قال له الحق فقلت والله ما أشار سيف الدولة إلا إلى هذا البيت وأحجمت عن معارضة القصيدة وألطف من هذا ما حكاه ابن الجوزي في كتاب الأذكياء فإنه من غرائب التلميح قال قعد رجل على جسر بغداد فأقبلت امرأة بارعة في الجمال من جهة الرصافة إلى الجانب الغربي فاستقبلها شاب فقال لها رحم الله علي بن الجهم فقالت له رحم الله أبا العلاء المعري وما وقفا بل سارا مغربا ومشرقا قال الرجل فتبعت المرأة فقلت لها والله إن لم تقولي لي ما أراد بابن الجهم فضحتك قالت أراد به عيون المها بين الرصافة والجسر * جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري وأردت أنا بأبي العلاء قوله فيا دارها بالخيف إن مزارها * قريب ولكن دون ذلك أهوال ورسالة الوزير أبي الوليد بن زيدون المخزومي الأندلسي غالبها مبني على نوع التلميح ولا بد أن أذكر الموجب لإنشائها بحيث يتلمح المتأمل تلميحها وسبب إنشاء هذه الرسالة البديعة أنه كان بقرطبة امرأة ظريفة متأدبة من بنات خلفاء العرب المنسوبين إلى عبد الرحمن بن الحكم المعروف بالداخل في بني عبد الملك بن مروان تسمى ولادة بنت المستكفي بالله ابتذل حجابها بعد نكبة أبيها وقتله فصارت تجلس للشعراء والكتاب وتحاضرهم وتطارحهم وكانت ذات جمال بارع وأدب غض ودماثة أخلاق وكان لها ميل إلى ابن زيدون بخلاف غيره من أهل العصر فمما كتبت إليه وهي راضية عنه ترقب إذا جن الظلام زيارتي * فإني رأيت الليل أكتم للسر وبي منك ما لو كان بالبدر لم ينر * وبالليل لم يظلم وبالنجم لم يسر وكتبت إليه وهي غضبى إن ابن زيدون على فضله * يلهج بي شتما ولا ذنب لي يلحظني شزرا إذا جئته * كأنما جئت لأخصي علي تشير في تلميحها اللطيف إلى غلام كان متهما به ومن غض شعرها قولها